ابن قيم الجوزية
307
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
وهل هذا إلا مذهب أهل الإباحة الجارين مع رسوم الطبيعة ؟ وهل في ذم اللّه لصوت الحمار ما يدل على إباحة الأصوات المطربات بالنغمات الموزونات ، والألحان اللذيذات ، من الصور المستحسنات ، بأنواع القصائد المنغمات ، بالدفوف والشبابات ؟ ! وأعجب من هذا : الاستدلال على الإباحة بسماع أهل الجنة . وما أجدر صاحبه أن يستدل على إباحة الخمر بأن في الجنة خمرا . وعلى حل لباس الحرير بأن لباس أهلها حرير . وعلى حلّ أواني الذهب والفضة والتحلي بهما للرجال : بكون ذلك ثابتا وجود النعيم به في الجنة . فإن قال : قد قام الدليل على تحريم هذا . ولم يقم على تحريم السماع . قيل : هذا استدلال آخر غير الاستدلال بإباحته لأهل الجنة . فعلم أن استدلالكم بإباحته لأهل الجنة استدلال باطل ، لا يرضى به محصل . وأما قولكم « لم يقم دليل على تحريم السماع » . فيقال لك : أي السماعات تعني ؟ وأي المسموعات تريد ؟ فالسماعات والمسموعات : منها المحرم ، والمكروه ، والمباح ، والواجب ، والمستحب . فعيّن نوعا يقع الكلام فيه نفيا وإثباتا . فإن قلت : سماع القصائد . قيل لك : أي القصائد تعني ؟ ما مدح به اللّه ورسوله ودينه وكتابه . وهجي به أعداؤه ؟ . فهذه لم يزل المسلمون يروونها ويسمعونها ويتدارسونها . وهي التي سمعها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه وأثاب عليها ، وحرض حسانا عليها ، وهي التي غرّت أصحاب السماع الشيطاني ، فقالوا : تلك قصائد ، وسماعنا قصائد ، فنعم إذن . والسنة كلام . والبدعة كلام . والتسبيح كلام . والغيبة كلام . والدعاء كلام . والقذف كلام . ولكن هل سمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه سماعكم هذا الشيطاني المشتمل على أكثر من مفسدة مذكورة في غير هذا الموضع « 1 » . وقد أشرنا فيما تقدم إلى بعضها ؟ . ونظير هذا : ما غرهم من استحسانه صلى اللّه عليه وسلم الصوت الحسن بالقرآن ، وأذنه له وإذنه فيه ، ومحبة اللّه له . فنقلوا هذا الاستحسان إلى صوت النسوان والمردان وغيرهم ، بالغناء المقرون بالمعازف والشاهد . وذكر القدّ والنهد والخصر ، ووصف العيون وفعلها ، والشعر الأسود ، ومحاسن الشباب ، وتوريد الخدود ، وذكر الوصل والصد ، والتجني والهجران ، والعتاب والاستعطاف ، والاشتياق ، والقلق والفراق ، وما جرى هذا المجرى . مما هو أفسد للقلب من شرب الخمر ، بما لا نسبة بينهما . وأي نسبة لمفسدة سكر يوم ونحوه إلى سكرة العشق التي لا يستفيق الدهر صاحبها إلا في عسكر الهالكين ، سليبا حريبا ، أسيرا قتيلا ؟ . وهل تقاس سكرة الشراب بسكرة الأرواح بالسماع ؟ وهل يظن بحكيم أن يحرم سكرا
--> ( 1 ) في كتاب « إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان » فقد أطال القول هناك ووفاه بما لا يدع مجالا لقائل ولا اعتذارا لمعتذر .